مرثية “صائب” و”جواد”.. الراحلون عن جامعتهم شُهداء

في كل مرّة كنا نسترق فيها السمع إلى الوقفات التي تنظم في ساحات الجامعة، أو المرئيات التي تعرضها الحركات الطلابية، كانت أسماء رعيل الشهداء الأوائل الذين شكلوا برحيلهم مساراً مؤثراً فيها، واسماً يتردد في كل مناسبة “جامعة الشهداء”، تترك أثرها في الذهن والوعي الجمعي

رحل أول شهيد عن الجامعة “شرف الطيبي” في عام 1984، ولكن قصة رحيل من بعده في العام 1986، من أبناء قطاع غزة: “صائب ذهب”، “جواد أبو سلمية” وبعدها”موسى حنفي” ذات شُجون

“فصول المأساة والبطولة”
لم تكف قوات الاحتلال عن اقتحام جامعة بيرزيت فترة حكمها العسكري للضفة الغربية، لكن صلف الاحتلال بلغ ذروته حين كانت تنتهي تلك الاقتحامات والزيارات الاستفزازية باغلاق الجامعة، بعد أن تتسبب بمواجهات عديدة مع الطلبة، تنتهي بسقوط بعضهم شهداء في ربيع أعمارهم
لكن الأذية وصلت حداً لا معقولاً؛ ففي خريف العام 1986 حاول الاحتلال الاسرائيلي فرض أمر جديد يلزم الطلبة القادمين من قطاع غزة باستصدار تصاريح تسمح لهم بالاقامة في الضفة الغربية، لغرض استكمال دراستهم في الجامعة، ويحمل هذا القرار التعسفي الحق في ابعاد أي طالب لا يحمل هذا التصريح، وكان رفض الطلبة سيد الموقف، ولأن الكثير من طلبة القطاع كانوا يقيمون في مدينة رام الله، أقام الاحتلال حواجز طيارة للتدقيق في بطاقات الطلاب الجامعية، واعتقال كل من لا يحمل تصريح

“صدام في الساحات”

%d8%b4%d9%87%d8%af%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d8%b2%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%84

4 كانون أول من العام 1986، بدأت أخبار تتسرب بوجود حاجز بين رام الله وبيرزيت لا يسمح للطلبة الغزيين بالمرور إلى حرمي الجامعة القديم والجديد، تظاهرة عفوية تنطلق في ساحات الجامعة تضامناً مع الطلاب الذين لم يتمكنوا من الوصول، أصيب عدة أشخاص وتم نقلهم إلى مستشفى رام الله الحكومي، بعض الطلبة الغزيين لم يتمكنوا من الوصول للجامعة فقرروا التوجه إلى المستشفى للتبرع بالدم ومساعدة الجرحى
هناك وصل الخبر المفجع؛ استشهاد “جواد أبو سلمية” طالب من مخيم خان يونس للاجئين، و“صائب ذهب” من حي التفاح في مدينة غزة، كانت عادة الجيش وقتها هي ملاحقة الجثامين وأخذها، ولهذا أخذ طلبة على عاتقهم الجثتين من المستشفى بشكل سريع، حتى يتمكنوا من تسليمهم إلى ذويهم، لتشييعهم بكرامة

محمد أبو عرف وهو خريج جامعة بيرزيت يروي وقتها ما حدث: “اندفع عدد منا إلى المشرحة، وقمنا بوضع الجثتين في السيارات خارج المستشفى وأوصلناهما إلى شقتي، ثم حاولت المساعدة في اخلاء الجرحى إلى “مخيم الأمعري القريب لمنع اعتقالهم، لكن الجيش كان قد حاصر المستشفى وأصبح الدخول مستحيلاً
اعتقل أخيه الذي نقل معه الجثتين خلال محاولته مغادرة المستشفى، ولم يكونوا قد وضعوا خطة لنقل الجثتين، فباتت المسؤولية ملقاة على عاتقه وحده

خشي محمد من مهاجمة الشقة فلم يمكث فيها أكثر من خمس دقائق في المرة الواحدة، ثم اتصل ببعض الطلاب من غزة فتطوعوا لنقل جثمان صائب إلى عائلته، وأحضروا سيارة فيات إلى الشقة، ولفوا الجثة ببطانية داكنة اللون، كان صائب طويلا فلم يتمكنوا من ثني ركبته، فكانت قدماه الملفوفتان تتدليان إلى الخارج من النافذة، وقد كشفتهما الرياح، ولكنهم واصلوا المسير
لاحقاً تمكنوا من وضع جسده في وضعية جلوس في وسط المقعد الخلفي للسيارة، ووضعوا نظارة شمسية على عينيه وقبعة رياضية على رأسه، ثم وضعوا رأسه على كتف الشخص الجالس قربه، وعندما اقتربوا من حاجز ايريز، قاموا بتسليم الجندي هوية صائب، وقالوا إنه كان مريضا طيلة اليوم وإنه نائم، فأعاد الجندي الهويات ومضوا في طريقهم
أما “جواد” فكان ممددا على السرير وكان وجهه مشرقا ومليئا بالسكينة، وكانت الخطة تقضي بأن تتوقف شاحنة تجارية منتصف الليل وتقوم بتحميل الجثمان ثم يتم ملؤها بالحصى مما يمكن نقلها بشكل آمن، وإن كانت الأمور قد سارت على نحو آخر

فيما ينظر المرء إلى الوراء، ينفطر القلب كمداً وهو يتصور ذلك الجيل الذي لم يكن عليه تحمل موت الكثير من الاصدقاء فحسب، بل مسؤولية الاعتناء بهم حتى الموت

وهي ربما للمفارقة حدثت مع آخر شهداء القدس “علي الشيوخي” من بلدة سلوان المتاخمة للمسجد الأقصى، وكأن قدر هؤلاء أن يلاحقوا أحياء وأمواتاً.. لأن في رحيلهم بقاءاً أبدياً في قلوب محبيهم وضمير شعبهم

في رثائهم غنوا
وقفوا صفوف صفوفي..
وسحجوا على الكفوف..