كان يا مكان في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان.. طالبة محاسبة في جامعة بيرزيت تدعى سلسبيل زياد. لطالما حلمت سلسبيل أن تصبح مهندسة معمارية لامعة تحمل تلك الحقيبة المليئة بالأقلام و ترسم في كراسها أجمل التصاميم، لكن هذا الحلم قد كان قاب قوسين أو أدنى من التحقق بعد معدل الثانوية العامة الذي كان ينقصه 4 أعشار فقط لتتمكن سلسلبيل من الالتحاق بمقاعد المعماريين في جامعتنا العريقة، و لكن هل استسلمت بطلة الحكاية لذلك؟ بالطبع لا!

رحلة شرسة مع الهندسة

دخلت سلسبيل كلية الهندسة العامة و بدأت رحلتها الشرسة مع التخصص، حيث كانت تمضي وقتها في الدراسة والرسم، وتقديم تقارير المختبرات و حل مئات المسائل من التفاضل والتكامل، بذلت سلسبيل قصارى جهدها وقدمت كل ما هو واجب عليها كفارسة في أرض معركة، حتى انتهت المعركة بإدراج اسمها بين صفوف المعماريين في جامعة بيرزيت. بتعبها وجهدها تحقق الحلم أخيرا، وكان أقل ما قد تصف به فرحتها بإنجازها هو الحلوان الذي قدمته لكل من دعمها في تلك الرحلة.

بدأ عامها الثاني في تخصص الهندسة المعمارية، الذي كان نقطة الاصطدام بالواقع الذي بدأت سلسبيل تدركه شيئاُ فشيء. “لكن أين الفن؟ الفن الذي ظننتني سأغرق به في هذه الكلية، لم يكن هذا تصوري عن الهندسة المعمارية! لماذا لم يخبرني أحد حقيقة الأمر؟ إنه ليس تخصصا سيئا، ربما هو عظيم، لكنني لا أجد نفسي فيه، لست سلسبيل التي أعرفها! أنا لست معتادة على الجمود ولا أظنني قادرة على البقاء هنا”، هكذا عبرت سلسبيل عن صدمتها بواقع الهندسة المعمارية.

نسرين زياد

سلسبيل زياد

معركة التحويل

بعد أن اكتشفت سلسبيل أنها لا تنتمي لذلك المكان، بدأت فكرة التحويل تلمع في رأسها، فصارحت والدها الذي لم يبد أي معارضة أمام ميول ابنته الدراسية. ومع أن فكرة التحويل قد نضجت في عقلها إلا أنها لم تتكاسل في دراستها وأنهت الفصل الأول بعلامات متميزة، ثم انتقلت للفصل الثاني الذي تأكدت فيه أن الهندسة ليست مكانها، فاتخذت قرار سحب الفصل بالكامل.

اعتبر الكثير قرار سلسبيل مضيعة للوقت، حيث وُجهت إليها تعليقات كثيرة حول ذلك الموضوع، لكن لم يثنيها شيء عن إكمال ما تسعى إليه، لأن المهم في نهاية اليوم أن تغفو على الفراش وأنت راض عمّا وصلت إليه، لا عمّا أراده الناس لك.

ومن ذلك المنطلق، تبلور قرار التحويل لتخصص المحاسبة في كلية التجارة، لتسجل سلسبيل نجاحا آخر يضاف إلى شجاعتها في اختيار مسارها، ألا وهو التخرج بشهادة بكالوريوس في المحاسبة في غضون سنتين فقط، لتتخرج مع دفعتها مثبتة أن حياة الإنسان اختياره هو فقط، وأن ليس له إلا ما سعى. وكانت نصيحة سلسبيل للطلاب بعد تجربتها هي ” لا تدخل تخصصاً بناء على تخيلاتك بل ادخل بناء على دراسة وعلم بهذا التخصص”.

ربما خرّجت الهندسة المعمارية عظماءً على مدى التاريخ، و لكن أيّاً من هؤلاء العظماء لم يكن يملك نفس ميول سلسبيل، التي قدّرت ذاتها وأدركت أنها ستكون عظيمة لكن في مكان آخر، مكان تشعر بالانتماء إليه، فتبدع فيه ليكون الخطوة الأولى في طريق النجاح الذي لا تحده حدود. 

 ماذا خسرت سلسلبيل؟ لا شيء، حقاً لا شيء، بينما كسبت حياة جديدة يملؤها النجاح، وينير طريقها الشغف وتقدير الذات، وتسمو بها أهداف كبيرة، من ضمنها نية إطلاق حملة تهدف إلى حماية الطلاب من أوهام التخصصات و تعريفهم بماهيتها قبل دخولها. لكنها ليست سوى البداية، فالكثير الكتير ينتظر بطلة قصتنا التي امتلكت الشجاعة الكافية لتقرر مصيرها، فنالت مبتغاها وكانت الملهمة للكثير ممّن يمرون بمثل ما مرت به.

هل اتخذت قرارا مصيريا من قبل؟ هل تشعر أنك تنتمي إلى تخصصك؟ شاركنا رأيك.