أستاذ الدراسات الثقافية “السي أس” الذي طلب منا في إحدى المحاضرات، أن نقف كلنا على المقاعد ونستمع إلى المحاضرة وهو جالس مكانه، فلم يتمالك الكثيرون أنفسهم من الضحك، هل يُعقل أن تسير محاضرة دراسية فيها أكثر من 40 طالب على هذا المنوال؟
ثم أجلَسنا وبادر هو بالقفز إلى الطاولة التي كانت أمامه وأكمل الشرح ونقاش المادة وهو واقف عليها، وقد بدا كأنه يعتلي منصة، هل كان يفعل ذلك في لحظة جنون، أم بدافع الفكاهة وتغيير الجو التي قد تتملك أستاذا يشرف على تدريس الطلبة الأجانب في الجامعة وعلى مساقات الماجستير!
كان ذلك في الواقع جزءاً من خطة التدريس التي يتّبعها الأستاذ سعد نمر، وهو الذي أحيا فينا روح النقاش والتفكير الحر.. كان يريد أن يوصل لنا رسالة مُقدسة في الحياة “فكّر خارج الصندوق” وقد بدا لنا شخصاً غير الذي كنا نعرف، حين كانت الشعبة كلها تقف على المقاعد وهو جالس على كرسيه.. لأن أذهاننا اعتادت على صورة نمطية!

د. سعد نمر خلال مشاركته في فعالية لحملة “قوس قزح” التي تعنى بالاهتمام بالأطفال المحتاجين

في كل مرة نفكر فيها خارج الصندوق نبدع ونبتكر ونكتشف أشياء جديدة، وتبدو لنا الحياة بصور أخرى أكثر حيوية، مثلا هل أمسكت مرة علبة الكولا ووضعت فيها “المصاصة” فكانت تتحرك يميناً وشمالاً، ربما لو فكرت خارج الصندوق قليلاً وأدرت الإطار الحديدي المتحرك أعلاها، لوجدت أن به فتحةً صُمِّمت خصيصاً لتثبيت تلك “المصاصة”!
ثمة أشياء كثيرة لم توضع عبثاً، ولكننا لا نستطيع الوصول إليها إلا في اللحظة التي نقرر فيها أن نتخلى عن القواعد الموضوعة مسبقاً، وننطلق للتفكير خارج الصندوق.

بطلة الجمباز في جامعة بيرزيت سمر قسيس، تؤدي عرضاً على جهاز الحلق خلال استعراض رياضي في جامعة بيرزيت، 1978. من ألبوم كمال شمشوم. © المتحف الفلسطيني


“كمال شمشوم” هو أيضاً لم يمنحنا علماً، بل كانت رسالته السامية خلال أكثر من أربعة عقود من التدريس في الجامعة أكبر من ذلك بكثير، فقد واكب الأستاذ كمال النشاط الرياضي في جامعة بيرزيت قبل أن تصبح جامعةً في سبعينات القرن الماضي، وارتقى به إلى أماكن لم يكن ليصل لها، لولا إخلاصه وتفانيه الذي قلّ نظيره؛ ففي أوج الملاحقة والتضييقات التي كانت تتعرض لها الجامعة خلال تلك الفترة من الحكم العسكري، سعى شمشوم ليسجل اسم جامعة بيرزيت في النشاطات الرياضية التي كانت تُعقد حينها، وكانت تلك النشاطات تتضمن منافسات رياضية، ومهرجانات، وعروضاً رياضية سنوية، تشمل الجمباز والتمارين الإيقاعية والاستعراضية، والرقص الحديث والفولكلوري وتمارين اللياقة البدنية.


إن هذه الرسالة لم تكن لتنتهي بانتهاء أجل زمني محدد، حتى وإن أنهى الأستاذ مهمته كرئيسٍ لدائرة التربية الرياضية، بل قام بإعداد منشورات وكتبٍ قيمة مثل كتاب “اللياقة البدنية” الذي تحدث فيه بإسهاب وبشكل علمي مبسط عن الأسس العلمية للإعداد البدني الذي ينبغي على كل إنسان أن يعتني به، انطلاقا من الاعتبار القائل: “إن المستوى الصحي للشعوب هو أحد مقاييس التقدم والرقي فيها، و كلما تقدمت حياة عصر الآلة والتكنولوجيا الحديثة، التي تكاد تشل حركة ونشاط الفرد الجسماني، زادت الحاجة وبشكل ملح إلى الاهتمام باللياقة البدنية والرعاية الصحية” لقد وضع في هذا الكتاب خلاصة خبرة سنواتٍ طويلةٍ في التمرينات وعناصر الغذاء الأساسية التي تسهم في الأداء الرياضي، صحَّحَ مفاهيمَ وتركَ معلوماتٍ قيمة؛ لإيمانه بأن رسالة التعليم أكبر من محاضرة يلقيها أستاذ لطلابه ثم ينصرف!

كُثر هم اليوم الذين يرتادون نوادي كمال الأجسام، ونسبة كبيرة منهم، من طلاب وطالبات جامعة بيرزيت، وكذلك المُهتمون باتباع عادات رياضية في حياتهم، ومنهم طلبة الجامعة الملزمون بدراسة مساق “التربية الرياضية”، ولكن يفتقرون إلى الأساس النظري المتين الذين يمكن أن يرشدهم، والذي يمكنهم من الوقوف على أرضية صلبة، يجدونها في منشوراته وكتبه.

أستاذ الصحافة الذي كان يطلب من تلاميذه أن يذهبوا إلى الميدان وإلى كل مكان بحثاً عن معلومة صغيرة، كان يعطيهم درساً سيتذكرونه في المستقبل جيداً: إنها مهنة الميدان والمتاعب، وليست مهنة المكاتب، فشدوا أزركم، وكونوا على قدرها..!
يؤمن الكثير من طلاب بيرزيت وأساتذتها بدورهم في إثراء المجتمع، ويحملون مسؤولية مزدوجة في تعزيز الهوية والوعي والإحساس بالمسؤولية، إلى جانب دورهم كمعلمين وباحثين، ولهذا أصبحت بيرزيت حاضنة وقِبلة للجميع، تترك بصماتها على المشهد التعليمي والثقافي الفلسطيني، إنها ببساطة تؤدي الرسالة السامية التي انطلقت من أجلها .. “الإلهام في دُروب الحياة“.