“لغتي وأفخرُ إذْ بُليتُ بجبّها… فهي الجمالُ وفصلُها التّبيانُ”

خربة خُطَّ على حيطانِ أزقّتها رسمٌ بيدِ شابٍّ أنارَ مصابيحَ العيدِ بفنٍّ لو خُطَّ بماءِ الوردِ لأينعت حقول قرية خربثة المصباح. رسومٌ بكفِّ خطّاطِ الهندسةِ الرّوحانيةِ كما أسماها ابنُ العشرينَ عاماً، وابنُ جامعةِ بيرزيت، الطّالب في دائرةِ الهندسةِ الميكانيكيّة، وعد درّاج.

بداية المشوار
كانَ يبلغُ من العمرِ عشر سنواتٍ حينَ اكتشفَ مدرسُ الّلغةِ العربيةِ حرفيّةَ رسمه للكلماتِ في مادةِ الكرّاس، وحينَ شاركَ في مسابقةٍ للخطِّ مثَّلَ فيها مدرسَتَهُ أحسنَ تمثيل؛ تفوقَ على عشرينَ طالباً حتى ممّن كانوا يكبرونهُ سنّاً.

“تعلمتُ الخطَّ بطريقةٍ عصاميّةٍ” هذا كانَ جوابُ وعد حين سألته كيفَ نمّى موهبته، فقد جعلت محاضرات اليوتيوب ونصائح معلّمه وإيمان أمّه من وعد ابن الثلاثة عشر عاماً فتىً لا يكلُّ من متابعةِ قدوتيه في الخطّ “عباس البغداديّ وساهر الكعبيّ خطاطُ القرآن”، وغيرهم الكثير.

جمال عماده العلم
أخذَ وعد القلمَ وهَمَّ بالكتابةِ أمامي ليعلمني تخطيطَ حرفَ اسميَ الأوّل، الألف؛ لأضحكَ من نفسي فأنا الّتي كنت أزعمُ جمالَ خطّي قبل أن أرى ما رأيت منه. كان لحرف الألف “الذي كنت أحسب سابقاً أني أتفننُ فيه،حين كنت أهمُّ بكتابةِ اسمي نهايةَ الامتحانِ بعد نفاذ كلِّ أساليب تأليف المزيد من المعلومات من يدي” ستُّ قواعدَ لكلٍّ منها تفرعاتٌ عجزتُ حتّى عن حفظها وهو يرددها أمامي؛ فتلك الألف في خطّ النّسخ تُرسمُ بارتفاعِ أربعةْ نقاطٍ، وثلاثةٍ في الرّقعة، وسبعةٍ في خطّ الثّلث، وتتوالى القواعدُ الّتي زادت من إعجابي بمدى سعيهِ إلى الجمالِ الذي لا يتوقف عند المهارة فحسب، بل يتجاوزُ ذلك بالسّعي وراء التزود بالعلم في ذلك المجال.

سألته ما إذا كان يطمحُ لكسبِ شهاداتٍ في الخطِّ تأهلهُ مستقبلاً لزياده علمه في مجال الخطِّ ونقلِ هذه الميزةِ إلى من له شغفٌ بالأمر، فعلمت أنّه تلقّى عروضاً من مراكزَ ليدرّسَ فيها علم الخطِّ للطلاب، كما يُذكَرُ أنّه كان قد أخذ ما نسميه في الجامعة “إليكتف” مادة الخطّ العربيّ مع د.عبدالله العزّة الّتي نال فيها معدلَ 95 بالمئة، وذكر لنا أن العزّةَ لديه معهدً لتعليمِ الخطِّ بمدينةِ البيرة. أمّا عن طموحهِ فيأملُ وعد بالسفر إلى دولٍ سطرت في تاريخها مكانة للخط العربي، كالعراق وإيران وتركيا.

مساهماته في الجامعة
ونرى وعداً لا يبخل على أحدٍ بموهبته، فقد قدّم للحركات الطلّابيّة رسوماً في مناسباتهم الخاصّة، كلوحةٍ لأبي عمّارَ جسدَ فيها وجههُ وروحهُ بخطِّ يدهِ مستعيناً بزميلتهِ الطّالبةِ ريحانة عواودة، كما يعملُ في الوقتِ الحاليِّ على تخطيطِ رسمٍ يُوضعُ شعاراً على الزيِّ الموحدِ لنادي الهندسةِ المعمارية، والذي بتذكّرهِ يذكرُ لنا وعد أسفهُ لعدمِ قبلوهِ في هذا التخصّصِ الّذي يحتاج لموهبةٍ كموهبتهِ التي تهتم بالتفاصيل والدقة. وبهذا نذكر جانباً يجب ألّا يغفلَ عنه تعليمنا الجامعيّ، وهو أن تأخذَ الجامعةُ المهارةَ العمليّةَ بعين الاعتبارِ كشرطٍ لاختيارِ الأنسبِ لدخولِ التخصص، وألّا تَقْصُرَ اعتمادها على تقييم العلاماتِ الّذي قد يظلمُ من لديه موهبةٌ وشغف.

شعرٌ وأغانٍ وصمت، في محراب خطّه
ويتفنّنُ وعد في انتقاءِ عباراتهِ التي يخطّها، فيكتبُ للوطنِ والحبّ، فنرى في كلماتِ هذه الصّورِ فناناً روحانياً يعتني بالكلمةِ قبل الخطِّ، إذ إنّ للشعر والأغنية والصمت في خطّه نصيبٌ.




أما عن طرائفهِ وبحكمِ موهبتهِ الّتي تتطلبُ الدّقةَ والعنايةَ بالتّفاصيل، فيقولُ أنّه يلاحقُ أخطاءَ أصدقائهِ حتّى على محادثاتهم الإلكترونية، فهو حسب قوله “يكرهُ الخطأ”، كما أنه يدقّق في ترتيبِ زوايا المنزل ويحرص على أن يكون تناسُقها كتناسقِ الحروفِ الّتي تخطّها يده.

أعماله المستقبليّة
يفصحُ لنا درّاج عن عملٍ قريبٍ لم يخبرنا عن تفاصيله بدقّة، لكنّه ينسجُ فيه خطّ يدهِ الذي يتتناغمُ مع حنجرةِ فنانِ جامعةِ بيرزيت “محمود أبو الظّاهر”، في عملٍ يجمعُ بين الحرفِ والكلمة .

ونأملُ أن يستقبلَ وعد عامهُ الجديدَ بنجاحاتٍ وتعاونٍ مع الجامعة وأنديتها وبخاصّة نادي الّلغة العربيّة، وأن تكون بيرزيت عوناً له ليخطَ حروفَ اسمها في محافلَ عالميةٍ يمثّلها فيها أحسنَ تمثيل.