“ما من علمٍ إلّا والكتابُ أساسُه، وما من عالمٍ إلّا والكتابُ حياتُه، وما من (نيردٍ) في بيرزيت إلّا والمكتبةُ بيتُه ومنامُه ومآبُه”

المكتبة، منذ ميلادها وحتى اليوم
عام 1924، كانت المكتبةُ الرّئيسيّة في مهدِ حياتها، ولمّا تكن إلّا مكتبةً مدرسيّة تحوّلت فيما بعدُ إلى مكتبة كلّيّة، حتّى شُيّدت عام 1985 بمبنىً جديدٍ ومسمىً جديد، وبتمويلٍ من يوسف أحمد الغانم الكويتيّ، الّذي سُمِّيَت باسمه، فهي مكتبةٌ جامعيّة تمزجُ في ثناياها عبَق الماضي وأصالتَه، وشذا المستقبل الواعد الّذي يخرّج طلبةً عاشوا فيها، جلسوا على مقاعدها، تدارسوا كتبها، ولربما في بداياتهم الجامعيّة نصحهم أحد الطّلّاب بأن يخلعوا حذاءهم حين دخلوها؛ ذلك أنّ سجّادها لا يمسّه إلّا الحُفاة، وهو ما قدْ حصل مع سنافرَ تذكّروا هذه الأيّام بابتسامةٍ بهيّة، وهِزّة رأسٍ تنمّ عن استغراب من حدوث هذا.

مغامرة البحث عن الكتب
المكتبة الرّئيسيّة، لطالما دخلناها ومَن لم يفعل، فليفعل، فأيّ حياةٍ يعيشها طالبٌ بيرزيتيّ، ولمّا يدخل مكتبة الغانم، أيّ حياةٍ جامعيّة هذه الّتي ما كابدتَ فيها عناء البحث عن الكتاب وحدَك، خجِلًا من سؤال الموظّف هناك، وقد تنجح، وقد تتوجّه إليه بعد فشلٍ عظيم، لتعلم أنّك تحومُ حول الحمى توشك أن تقع فيه وليتك فعلت، حمى الكتاب وحدَه لا غير.

صورة قديمة لطلبة بيرزيت خلال دراستهم في المكتبة الرئيسية

أهل المكتبة بين بداية الفصل وفترة الامتحانات
في بدايات الفصول، لا يدخلُها إلّا (أهل النّردنة) فهم منهمكون بالحصول على المراجع قبل غيرهم، يواكبون الخطّة الدّراسيّة، يبدأون في أبحاثهم وعروضهم قبلَ غيرهم، يتنقلون من ممرٍ لآخر، بين كتابٍ وكتاب، يحجزون مكانهم الخاصّ بهم في أحد طوابقها، ولا يخرجون منها إلّا فاتحين.

أيّام الامتحانات، يولّي كلّ طالبٍ وجهه شطرَها، يستعينُ بصديقه النّيرد؛ ليفهمَه المادّة، يحلّ له المسألة، لينقذ له الفصل، حينها، يكون (النّيرد) ملك المكتبة بلا منازع، بل ملكٌ يمشي بين رعيّته، وهكذا دواليك، يُقدّر أحسن التّقدير، ويبني مستقبلَه على عِمادٍ من نور.

هذا فيما يتعلّق بالتّخصّص الجامعيّ، ومن هؤلاء الطّلاب مَن يحملُ على عاتقه حِمليْن، حِملُ التّخصّص، وحِملَ الثّقافة والمعرفة، هؤلاء يدخلون المكتبةَ نهايةَ الدّوام، يستلّون كتابهم في شغف، في الفكر، السّياسة، التّاريخ، علم الاجتماع، يقرأون لشتّى المشارب، يتعرّفون كثيرًا، تأخذ قلبهم المعرفة، فهم في سباق لورود مائها والنّهل منها.

يخرجون بطاقتهم الجامعيّة عند المدخل، يناولونها للموظّف، يسجّل الكتاب المُعار، ويستلم الكتاب المقروء، في هذه المكتبة، تسترخي على الرّفوف ما يقرُب من (243503) عناوين، يقومُ على أعمالها ما يقرب من 30 موظفًا.

غرفة الدراسات الجماعية، فوضى خلّاقة
في قاعة الدّراسة الجماعيّة، الكلّ منهكٌ يدرسُون، يحفظون، يحملون جوّالاتهم، يتحدّثون، يرسمون، فوضى، ولربما من الطّريف أن نقول إنّها : فوضى خلّاقة، فوضى تخلقُ جوًّا جميلًا من التّعاملُ الإنسانيّ مع اختبارات المعرفة، تخلقُ كمًّا من التّناقضات، النّيرد، ومطنّش المحاضرات، الكتاب والملخّص، الصّوت المرتفع، والصّوت الممنوع في قاعات الدّراسة الفرديّة. وهكذا دواليك..

مكتبة أحمد يوسف الغانم من الخارج

أيّها الطّالب، أيّها القارئ، أقبِل على المكتبة وقبّل أحجارَها، كما فعل قيس بن الملوّح، مجنون ليلى حين قال :

أمرّ على الدّيــار ديارِ ليلى  ::  أُقبّــل ذا الجدارَ وذا الجدارا

وما حبّ الدّيار شغفنَ قلبي  ::  ولكن، حبّ مَن سكن الدّيارا

نعم، قبّلها، لما فيها من علم وحياةٍ وجمال وتفاعل إنسانيّ، والتّقبيلُ الحقيقيّ أن تُقبِلَ على كتبها، تفحّصها وانظرها من قرب، ولا تضيّعْ وقتَك هباءً في غيرها، بل عِش حياةَ النّيرد، فلربما تكون جميلة ! لا أدري ربما!!