كتبَها : عبد الله مفلح

وأيّ نفسٍ لا تأنسُ بالشّعر، على صاحبِها أن يراجع الميزان فيقوّمَه، ويعطفَ على القلبَ فيداريه.

لطالما حاولتُ أن أتفحّصَ المحيطَ الجامعيّ، أبحثُ عن شاعرٍ، لم أفلح.  قضيتُ سنتيْن، وأنا أنتظرُ أحدهم، بعدما تعبتُ من البحث، كنتُ جالسًا قبالةَ الهندسة، حينَ جاءَ أحدُهم، وبدأ يُلقي شعرَه أمامَنا، لم يعجبْني حينَها، ولقدْ أخبرتُه رأيي، وبيّنتُ مواطنَ نقدي، أذكرُ أنّي نصحتُه بالمداومة على حفظ الشّعر وقتَها، ومرّ وقتٌ لمْ أرَه فيه.

تتابعتِ الأيّام، وعلى عادتي، أجلسُ أمام كلّيتي كلّية الآداب على مقاعدَ من الحجارة المربّعة، جاءَني يوسُف، تربّع على الأرض وقال جئتُك لتسمعَ شعري، حيّيتُه وبدأتُ أسمع، لم أصدقْ أبدًا أنّ مَن سمعتُ له من سنةٍ تقريبًا هو ذاتُه الّذي يلقي أمامي شعرَه، فشتّان بين محاولاتِه وبين شعره، ويا لبعدِ ما بيْن الشّعريْن، انفعلتُ مع أبياته وجُننتُ من بعض تشبيهاته، قضينا مدّةَ ساعةٍ فأكثرَ من الزّمن، كان الشّعرُوحدَه حديثَنا، تشافهنا الشّعر وأخلصنا له بحقّ، ولمحتُ فيه نفَسَ شاعرٍ يستطيعُ أن يهزّ بلسانه قلوبَ السّامعين.

شاعرُنا يوسف أكرم الحافي طالبُ الهندسة الكهربائيّة في جامعة بيرزيت، ولد بغزّةَ عامَ 1995، منذ صغره هامَ بالشّعر، فتتبّع كلّ بيتٍ في كتابيّ اللّغة العربيّة، لم يتضجّر يومًا من طلبِ المعلّم حفظَ أبياتٍ من قصيدةٍ ما، بل كان يأتيه في اليوم التّالي وقد حفظها كاملةً عن ظهر قلب، هذا كان في المراحل الابتدائيّة.

واصلَ حبّه لشعر العرب ونثرهم، تتبّع تآليفهم، وقرأ عنهم، وفي عام 2014 عاش ألمَ الحربِ في غزّة، فأخرجَ ألمَ صدره كتاباتٍ نثريّة تعجّ بالألم، عادَ من غزّة ودخل بيرزيت، وبدأ طريقَ الشّعر، وقال لي: كانت البداية مع شعر الغزل، كنتُ مهتمًا به، وجدتُ ضالّتي معه، وأوّل ما جذبني نحو الغزل الشّاعر ابن دريد في بيته الّذي يقول فيه :

وما في الأرض أشقى من محبٍّ  ::  وإن وجدَ الهوى حلوَ المذاق

 وقد أنشدني يوسفُ من شعره الّذي نظمَه في محاضراتِه الجامعيّة، فقال متغزّلًا :

أيـــا مَن بالبكـاء أقمـتَ ليــلًا  ::  هجاكَ العشقُ أم عذُب البكاءُ

فكفكــف دمعَك البـرّاق وادعُ  ::  عليمَ الحال قد وجبَ الدّعـاءُ

 فيــا شافي القلوبِ إليك قلبـي  ::  بُليــتُ بهـــا وأبلاني البــلاءُ

 وقــل للعاذليـن : كفى وكفّـوا  ::  أظمــآن الهوى يرويه مــاءُ

 فهل ظنّوا الهوى خمرًا وشهدًا ::  نشــاء مجيئه أو لا نشــــاءُ

ألا فاكتب بحبر العشـقِ دائي  ::  فَــداءُ العشْــق ليس له دواءُ

يعتبرُ يوسفَ أنّ الشّعر يتخذُ طريقيْن، فهو شعرٌ غنائيٌّ (يعبّر عن الذّات الإنسانيّة) وشعرٌ يبلّغ رسالةً وطنيّة نضاليّة، فيوسف ينوّع في شعره، ما بين الذّاتيّ والجمعيّ، ما بين وطن الشّاعر وأمّته، ولقدْ وجدتُ يوسُف يلبّي رغبة الحدَث الفسطينيّ، معبّرًا عمّا يحتاجُه النّاس، وما يتطلّبه ضميرُ يوسف من كتابة قصيدةٍ ما.

يُخبرُني يوسف أنّ أقرانَه يطلبون منه أن يلقي عليهم شعرَه، فلا يتورّع عن ذلك؛ بل يستغلّ كلّ فرصةٍ ليبثّ من خلالها لواعجه وخفايا قلبه، ولطالما طلبوا منه المزيد، فالشّباب من تجربةٍ ذاتيّة يستمتعون بشعر الغزل أيّ استمتاع، ولا أخفيكم أنّ الغزل والرّثاء، أعلى الشّعر العربيّ فنــًا وصدقــًا، ولطالما تذكّرتُ قولَ البحتريّ، حينَ سألوه : مدحتَ المتوكّل بما يقرب من 30 قصيدة ورثيتَه بقصيدةٍ واحدةٍ فاقت كلّ مدحك، فقال : من تمام الوفاء أن يعلو على المدح الرّثاء

 

إنّ أعظمَ شاعرٍ في نظرِ يوسف، هو المتنبّي فكثيرًا ما يقرأ له، ويعيشُ معَه، وإنّي لأقول : ما نقول في المتنبّي (مالئ الدّنيا وشاغل النّاس) إلّا خيرًا، فقد أبقى جذوةَ الشّعر في نفوسنا ونفوسِ أبنائنا إلى يوم الدّين، رحمه الله.

يُعجَبُ يوسف بشاعرٍ معاصرٍ يُدعى يحيى السّماويّ؛ وذلك لقوله :

قالت وقد عقــد الحيــــــاء لسانَهـــــا  ::  إنّي، فقلتُ : وحبِّنــا لا تكملي

ودعي العيونَ تهيمُ في نجوى الهوى  ::  فالحبّ أن أرنو إليكِ وتخجلي

فيا يوسف، قالوا قديمًا، لكلّ شاعرٍ غرضُ ينبغُ فيه، لا ينازعُه فيه أحد، فما نازعَ أبا نواسٍ في وصف الخمرِ أحدٌ إلّا وكان متأخّرًا لا يتقدّم، وما نازعَ الحطيئة أحدٌ في الهجاء إلّا ونكصَ على قبيه، وقال إنّي بريءٌ من هذا المقارنة فلا أقدرُها، وما نازعَ زهيرًا في الحكمةِ ابنُ بشرٍ إلّا وجاء يلهثُ بعد طول عناء، وإنّك يا يوسف، ما نازعكَ أحدٌ في بيرزيت، فكيفَ وإن جاءوك ينازعونك في غرضك، يا أيّها المتغزّل العفيف، فلله درّك، إذ تبقي لنا جذوة الأدب متّقدة.

وأنتَ أيّها القارئ، ما أبهى بيت شعرٍ في نظرك، وأيّ شاعرٍ تحبّ وتفضّل ؟؟