منذ 69 عامًا ونحن كشعبٍ فلسطينيّ كنّا وما زلنا نقاوم، نحملُ في دواخلنا عاصفةً ثوريّة تشتاق الانفجار، رياحُ الغضب والألم والإصرار على الانتصار، معركة بدأت ولم تنته بعد، لكن، وللأسف، مَن بدأ هذه المعركةَ بدأها ضد أجيالٍ سبقتْنا، ونحن الشّباب ذقنا مرارةَ تبعاتِ هذه المعركة فقط، ولم نذق ألم بدايتها وهو الألم الأشدّ حرقة ونزقًا.

ينتابني القلقُ تجاه مشاعر الثّورة والتّمسّك بالأرض في قلوب الأجيال القادمة، فالقصص النّضاليّة المؤثّرة الّتي عاشها جدّي وجدّك ومِن بعدِهم آباؤنا، قصّوها علينا كلّما وجدوا الوقتَ لذلك، فلربما لن تظلّ بذات التّفاصيل والأسلوب لمن بعدهم، ولأحفادهم وللأجيال القادمة، فيخفتُ نورُها وتفقدُ قدسيّتها بمرور الوقتِ وتزايدِ الإهمال، وإنّي لأخشى أنّ رحيلَ المناضلين سيُضيعُ بعضًا من هذه القصص الّتي تُبقي شعلة الثّورة والتّمسّك بالأرض متّقِدة فينا، وإن بقي منّا مَن يمشي ذاتَ الدّرب ونفْسَ الخُطى، إلّا أنّ كلّ قصّة بحدّ ذاتها لها تأثيرٌ مميّز في نفوس الأجيال الّتي تعايشها والأجيال التي  تتبعُها.

من هذا المنطلق، لمعتْ فكرة توثيق القصص النّضاليّة في بال (أنس الأسطة) صاحب فكرة مؤسّسة “قامات” ورئيس مجلس إدارتها، حينما عملَ على توثيق قصّة والده النّضاليّة بعد عثوره على شريط فيديو وثائقيّ يبيّن لحظةَ اعتقال والده عام 1990 وامتلاكه لشريط آخر لحظةَ تحريره عام 2005، عندها، فكّر في القصص النّضاليّة الّتي تستحق التّوثيق ويتوجّب حفظُها وعرضها بأسلوب مميز، كي لا تظلّ بين رفوف النّسيان.

رئيس مجلس الإدارة أنس الأسطة، عضو المجلس الاستشاريّ منتهى جرّار

فكرة وفريق، وآلاف القصص الّتي تحتاج إلى التّنقيب عنها، واستكشافها، ومِن ثَمّ توثيقها، هي عواميد الأساس التي أُنشئت عليها مؤسّسة “قامات”؛ لتوثيق النّضال الفلسطينيّ. وتمّ تشكيل مجلس إداريّ بعد استكمال إجراءات التّسجيل لدى وزارة الدّاخليّة الفلسطينيّة. تتميّز “قامات” بمجلسها الإداريّ الّذي يضمّ الشّباب المليء بالطّاقة والشّغف، إضافةً لوجودِ مجلس استشاريّ من رجال أعمالٍ وأكاديميّين ومناضلين لهم أثرهم في هذا السّياق.

أمّا مخرجات المؤسّسة فإنّها ستقدّم أعمالَها كأفلام وثائقيّة ذاتِ محتوى صوتيّ صوريّ، يسلّط الضّوء على القصص النّضاليّة منذ النّكبة حتّى وقتنا؛ ليتسنّى للأجيال القادمة التّعرّف عليها والتماس نورها ولهبها، وتناقلها ما استطاعوا، وأوّل هذه الأفلام، فيلم يحكي حياةَ والد (أنس الأسطة) ليكون فاتحةً مميّزة لعمل هذه المؤسّسة.

ومن دورنا -نحن الشّباب- في توثيق النّضال الفلسطينيّ، فكلّ مَن يملكُ تجربةً أو يعرفُ تجربةً عن أحدهم أو سمعها من جدّه ومَن عايشوها، فليكتبْ عنهم، وليرسل لهذه المؤسّسة؛ لتنال حظّها من التّوثيق، حسْبَما أشار السّيد (أنس الأسطة).