باسم الوطن، باسم الشعب، باسم الجرح الفلسطينيّ الدامي، باسم القدسِ المسلوبة ، باسم قلبي الذي ما زال طفلاً يحملُ هويّة فلسطينيّة ، باسم اطفال فلسطين ، أطفال الحجرِ والشّجر:

سأخبركم عن طفولةٍ ، قد حشرجت الآلام صفو حياتها، وانتزعتها من قلب البراءة ، ونيرانٌ تُشعِلُ الرّجولةَ في مواكبها، لتثير غبار المعارك في قلوبها، و يغدوا الاطفالَ رجالاً منذ ساعات الولادة .

طفولةٌ مسلوبة، تنتظر من يعيدها الى حجر أمها، لم تعش من الحياةِ سوى الظلمَ والقهر، ومسلسلُ دمٍ حلقاته ممتدّه، أبطاله أطفال، ننتظرالحلقة الأخيرة كلّنا، ولم تأتِ بعد.

المشهدُ الأول :

طفلٌ يلهو بدميتهِ ، وطفلٌ في الطّريق إلى مدرسته ، الوضع آمن والخطرُ غيرُ متوقَّع، تظهرُ دبابة بلمح البصر، وتطلق قذيفةً عشوائية تستقر في قلب طفلٍ يركض الى البيت جائعاً، لم يكن ذنبه سوى انه يحملُ دفتراً وقلما.

ويبقى السؤال:  لماذا استقرّت في قلبه بالذات؟

– ربّما لأنها رأت القلَمَ على هيئةِ حجر.

 

مشهدٌ آخر:

 طفلٌ يعي على الدّنيا ليجدَ نفسه دون أبيه ،وآخر دون أمه، طفلٌ يقبّل أهله من خلال صورة لهم معلّقة على جدارٍ عام لتخليد الشهداء، يتحسس وجوههم ، يدرك انه لا يستطيع تقبيلهم ولمسهم والشعور بهم واقعياً ،لماذا هكذا؟ فهو لم يشبع حناناً من امه ، ولم يستمد قوةً من ابيه، كلّ ما في الأمرِ أنهم ماتوا حرقاً دونه، أما هو، فقد نجا من الموتِ ولم ينجُ من الحياة.

كل هؤلاء الاطفال، حين يدركون ما هم فيه، سيتساءلون:

– “أين أبي؟ ”  ، “أين أمي؟” ، ” أين أهلي؟” .

– ” في الجنّة” .

الجواب المُعتاد ، صحيحٌ أنهم في الجنة، لكن أخبروني ، ما هذا الوجعُ الذي يجبرُ طفلاً لم يواجه من الحياةِ  شيئاً على مواجهتها دون أهل؟ دون سند؟ أي وجعٍ أكبر من ان تكون بحاجةٍ ماسّةِ للاستنادِ في غرفةٍ لا جُدرانَ فيها؟

مشهدٌ أخير :

أحمد مناصرة، احمد الذي أوجع قلوبنا ، ما زلتُ كلّما رأيتُ صورةً له، يتردد صدى صوتهُ في رأسي، وهو يقول:”مش متذكر” ، وما زلتُ إلى الآن أتساءل: كيفَ كبرَ أحمد بعيدا عن امه بهذه السّرعة؟ وكيف تحول من طفل لا يجيد ربط حذائه الى شاب مقترب من الرجولة؟ وكيفَ وُضعَ في موقفٍ خذلهُ الكلَّ فيه؟

 

استنكار:

هل هذه الطفولة التي ترضونها لأبنائكم؟ أهذه الطفولةِ التي تتحدّثون عنها في محافلكم ، وتجتمعون من اجلها لتوقيع المعاهدات والاتفاقيات التي تنصّ على حقّ الطفل الفلسطيني في الحياة الكريمة ؟

أعلمُ أن لا أحد منكم سيجيب بالإيجاب، ولكني اودّ ان اخبركم ان هذه هي الطفولة التي تضرب إسرائيل كافة مواثيقها وأعرافها الدولية بعرض الحائط، فمنذ اندلاع انتفاضة الأقصى، وقوات الاحتلال تستهدفنا بمختلف مراحلنا العمرية، مستخدمة كافّة انواع الهمجيّة ضدّنا.
حبسنا الدمعة ، سحبنا الصرخة، ولملمنا جرحَنا، لم نُبالِ لِما حُرِمنا منه ، لأنهُ لا يساوي شيءٌ أمام حرمانِنا من قدسنا ، ومن منطلق ايماننا بواجبنا الوطنيّ، تركنا مدارسنا، لنعود إليها وقد اصبحت مراكز اعتقالٍ وثكناتٍ عسكريّةٍ يعبثُ بها الأعداء ، تركناها ليس لأننا لا نريدُ أن نتعلّم ، بل لنحمي الزيتونةَ المباركة ، بطلةُ الأساطير الشامخة والقصص الخارقة.

من أنا؟ :

أنا طفلةُ فلسطينية، هويّتي عربيّة، مدرستي الحياة، معلمتي المآسي، هوايتي قذف الحجارة، اما عن طموحي، فيكمُنُ في تدمير محتلي أرضي ودحرهم.

أعدكم وأقسمُ لكم، بأن أكون الطفلةَ التي تتسلّح بعلمها وإيمانِها ، إيمانها بالله وبنفسها، حتى اكونَ شيئاً يفخر به وطني، فلتوقّعوا الاتفاقيات التي تنام في الخزائن، ولتقيموا المحافل والمؤتمرات من اجلنا ، والتي لا تخرجون منها سوى بحبرٍ على ورق، ولأكبر أنا ، ويكبر أطفال فلسطين معي، ونفكّ قيود خزائن اوراقكم واسلحتكم ، لأجل أن يُفَكَّ قيدُ الأسرى ، لأجل ان لا يحيا اطفالنا كطفولتنا ، لأجل أن تحيا القدس من جديد، ويرفرف علمُنا في كلّ مكان، لأجل أن يزهر جرحنا، وينمو حلمنا، ونغنّي في كلّ مكان : ” فلسطين فلسطين فلسطين”.