هل تخيلت يوماً أنك ستحرم من معانقة أبيك أو أمك؟ هل جاء في خاطرك أنك لن تستطيع التقاط صورة تذكارية مع من تحبهم؟ من المرجح أيضاً أنك لم تفكر يوماً بأنك ستحرم من رؤية أبناء شقيقك أو شقيقتك. هذه الأفعال البسيطة تعتبر جزءًا من مطالب الأسرى الذين يواصلون إضرابهم المفتوح عن الطعام في معركة الحرية والكرامة لليوم العشرين على التوالي. يطالب الأسرى في سجون الاحتلال بتحسين ظروف زيارة ذويهم لهم، بدءًا من عدم تعطيل الزيارات وانتظامها كل أسبوعين بما في ذلك إعادة الزيارة الثانية، وانتهاء بتمديد مدة الزيارة إلى ساعة ونصف بدلاً من 45 دقيقة، كما أنهم يطالبون بعمل مرافق تضمن راحة الأهالي خلال تواجدهم على بوابات السجون. لكن ما يغيب عن ناظر الكثيرين هو الرحلة التي يخوضها أهالي الأسرى قبل الوصول إلى السجون، وخلال تواجدهم هناك.

نستعرض هنا المراحل التي يمر بها ذوو الأسرى قبل وخلال زيارتهم لأحبائهم في سجون الاحتلال:

حجز المواعيد:

تبدأ إجراءات التحضير لزيارة الأسرى عبر الاتصال على الصليب الأحمر لحجز المواعيد، هذه العملية قد تبدو سهلة لبعض منا، لكن الأهالي ملزمون بالاتصال لحجز موعد قبل أسبوع  على الأقل من موعد الزيارة والتي غالباً ما يتم تأجيلها بسبب وجود مواعيد أخرى معينة مسبقاً. ولعل الحجز الهاتفي سيبدو أسهل ما يمكن المرور به مقارنة بما سياتي لاحقاً.

أول المتاعب:

يأتي الآن يوم الزيارة، والذي يتوجه فيه الأهالي إلى رام الله قبل صياح الديك متجمعين خلف منتزه بلدية المدينة لملاقاة باصات الصليب الأحمر. رحلة تبدأ مع دقات السادسة صباحاً بالنسبة لأهل المدينة ومع آذان الفجر لدى سكان المناطق الأخرى من جنين وبيت لحم ونابلس وغيرها.

باصات الصليب الأحمر خلال توجهها لسجون الاحتلال

حاجز بيت سيرا – نقطة الانتظار الأولى

بعد التجمع الصباحي، يقضي أهالي المعتقلين نصف ساعة في طريقهم إلى حاجز بيت سيرا، جميع المتوجهين إلى السجون المختلفة يبدأون رحلة الانتظار هناك في الهواء الطلق لمدة لا تقل عن الساعتين وقد تزيد عن الأربع ساعات في بعض الأحيان. تحت كنف مظلة لا يتسع مداها لأكثر من عشرين شخص، يتجمع أربعمئة زائر ممن يتشوقون للقاء أحبائهم، يقضون الساعات الطوال لا شيء يقي رؤوسهم من حرارة الصيف القاتلة أو من أمطار الشتاء النازلة.

التفتيش المكثف:

يأتي دور التفتيش والذي يُستهل بالدخول عبر الماكنات الخارجية، ويُستكمل بالحجز داخل غرفة تفتيش ضيقة يُجبر أهالي الأسرى والمعتقلين على التواجد فيها. مساحة ضيقة لا تتسع لخمسة أشخاص تجمع داخلها عشرات الزائرين والزائرات ممن سيواجهون تفتيشاً كاملاً من شعر رؤوسهم وحتى أصابع أقدامهم. إجراءات “أمنية” قد تصل حد التفتيش العاري ومرحلة شعارها “رنين الماكنات ممنوع”!  يليها مرور عبر البوبات الحديدية الدائرية المعروفة “بالمعّاطات”، من المعّاطة الأولى إلى الثانية إلى التفتيش الشخصي حيث يسلّم أهالي الأسرى بطاقات هوياتهم وجميع ما بحوزتهم.

“بيت سيرا”- الانتظار الثاني

على الجانب الآخر من الحاجز، تدخل باصات الاحتلال وينتظر الأهالي حتى يتم تفتيش جميع الزائرين والزائرات، ويقضي البعض ساعة أو أكثر في الحجز ويمنع البعض الآخر من استكمال الطريق رغم حصولهم على التصاريح اللازمة. تستغرق هذه المرحلة ما لا يقل عن الساعتين ليكتمل عدد الزوار الذين يستقلون الباصات نحو السجون المختلفة. ويبقى الأهالي في الباصات حتى يسمح الاحتلال بفتح البوابة السياجية، انتظار آخر لا يقل عن نصف ساعة أو أكثر!

التفتيش مرة أخرى!

في حال تمكن ذوو الأسرى من العبور، يتوجهون إلى شبك شبيه بالقفص حيث يتعمد جنود الاحتلال إحضار الكلاب لإخافة الزوّار سيّما بوجود الأطفال! بعد ذلك يمرون إلى الداخل لتبدأ إجراءات من نوع جديد؛ اصطفاف على ثلاثة شبابيك مختلفة لتسليم الملابس وشراء السجائر ودفع النقود في عملية تستغرق ساعة من الزمان على أقل تقدير. يليها تقسيم الزوار إلى أفواج في انتظار مناداتهم للدخول إلى الأقسام حسب الأسماء. ويلحق ذلك إجراءات تفتيشية أولها المرور عبر “المعاطة” ثم خلع الأحذية والملابس قبل التوجه إلى غرفة ضيقة لتفتيش شخصي آخر باستخدام الأجهزة الحساسة للحديد والمعادن.

زيارة من خلف الحواجز الزجاجية

لا ينتهي الانتظار هنا، بل يتوجه أهالي الأسرى إلى غرفة ضيقة مغلقة فيها شباك واحد ومقاعد للجلوس، يُجمع فيها كل الفوج بصرف النظر عن العدد حتى نهاية اجراءات التفتيش قبل أن يتم فتح الأبواب المؤدية إلى الأسرى. زيارة مدتها 45 دقيقة يتواصل فيها الأسرى مع ذويهم عبر الحواجز الزجاجية مستخدمين سماعات ردئية في ظل إزعاج شديد يتعمد جنود الاحتلال افتعاله. وخلال رحلة العودة قد يضطر الفوج الزائر الأول انتظار انتهاء زيارة الفوج الأخير ليغادر الأهالي مرة أخرى مع باصات الصليب الأحمر بعد يوم من التعب والإرهاق الشديدين، لا يراعى فيه كبار السن ولا الأطفال الرضع.