إلى معلّمنا عزفَ اللّغة، ورقصَ الكلمات، حسين البرغوثي، نوّارةِِ اللّوز الرّاقدة وسْط  كوبر

حسين البرغوثي، الّذي وضع قرّاءه على الحافّة، بين العقلانيّة و العاطفيّة، بين الجنون والعبقريّة

وُلد حسين في قرية كوبر، عاش بين جبالها، واكتسب منها، جنونها، عنادها، عاداتها، وازرِقاقَها، فقادنا إلى الضوّء الأزرق المتوهّج فيه، ودعانا إليه، كيف “نبقى على الخطّ” بعد أن نعرفك يا حسين؟

أنت من قال: “في عالم الهامش هذا، كلّ شخص عابر مثل مشهد في فيلم” لكنّا نراك الفيلمَ كلّه، دار السّينما، المخرج والممثّل والشّخصيّة الحقيقيّة، كلّها في حسين، (بري) في خوف طفل الجبل من البحر، خوفِ العقل من القلب، تعطّش القلبُ للارتواء، للتوقّف عن الجفاف، لخلق التوازن.
بري: هو صديق حسين البرغوثيّ، الّذي يدير معه الحوار الفلسفيّ

لا تأخذ من الدّنيا غير الّذي تعطيه لها، أنت قلتَ هذا، ماذا أخذت من الدّنيا مقابل كلّ هذا الجمال الّذي أعطيْتَه؟ لو كنت بيننا، لقلتَ: أثَر. حقّقتَ فعلًا شيئًا من حلم قديم، ولو لم تغيّرنا بعمق لم تحيّرنا بصدق؛ لكنّك فعلت.

حسين البرغوثي طرح بدائلَ لكلّ ما كتبه عربيٌّ قبلَه، فأزمة الذّهن العربيّ لدى حسين، هو أنّه فقد قدرته على الخلق، وهذا ما سعى حسين الاستثنائيّ إلى عدم فقده: القدرة على الخلق.

حسين خلق مفاهيم جديدة لكلّ ما طرحه في كتاباته، للذّهن، للعقل، للقلب، للّغة، للتصوّف، للصّراع النفسيّ، للاحتلال، للسّرطان، للبَوح، للذّاكرة، للألوان، لنوّار اللّوز، للنّاي، للرّبابة، للأفعى الزّعراء، “لقسم الولادات فوق، وثلّاجة حفظ الموتى تحت” للحجر، والمرايا، والورد، والسّائل.

بدايةُ مسيرته، سأكون بين اللّوز، في الكتاب يتحدّث حسين عن المرحلة الأصعب في حياته، صراعه مع السّرطان، يتحدّث قبلها عن جبال كوبر، هجره لها، ثمّ عودته “لهذا الجمال الّذي تمّت خيانته” عن الأثر الّذي ابتغاه، فحسين أدرك، وقال لنا: إنّها خسارة لابن هذا الإرث العظيم” أن يولد في زمن مهزوم، بوعي مهزوم وخائف” ولا يترك أثرًا، ويمضي “دون أن تبكي عليه حتّى قطّة سائبة” فلم يمضِ كائنًا خفيفًا، مضى عقلًا، وروحًا، بحرًا وجبلًا، مضى وهو اتّحاد المتناقضات، وتناقض المترادفات، مجنونًا كما اللّغة الّتي علّمنا.

في رائعته، الضّوء الأزرق، يضمن للقارئ ألّا ينتقل إلى كتاب آخر إلّا وقد ثقُلَ ميزان معاييره لتقييم كتاب ما. الضّوء الأزرق كتاب ينتمي إلى المدرسة الرّمزية، بالتّالي، استخدم الرّمز والغموض بشكل أساسيّ، وتناول فيه عدّة مفاهيم مبطّنة، العقل والقلب قضيّتاه الأساسيّتان، الذّهن ومحتواه، عالم الهامش “ما وراء السّياج” والعالم العاديّ، الأقنعة، حسين كان الجبلَ، كان البحر، بري الجبل كان العقل، البحر كان القلب، إذًا، حسين كان العقل، بري كان القلب، أيّ توازن سيخلقه حسين بعد كلّ الصّراعات الّتي تحدث؟ هل سيبقى حسين معلقًا على السّياج، بين الاستثنائيّة وسْط العاديّة، والعاديّة وسط الاستثنائيّة؟ توحّد الطّفل والبحر، وأصبحا شيئًا واحدًا “وقلتُ لبري: لسنين، كان يطاردني البحر لسنين، وكان وجهي شاطئًا، قال: اسبر نواياه حسين! اسبر نواياه! إنّني أسبرها، فأنا الآن أحدّق في نفسي بعين البحر! اختفى جسديَ الفيزيائيّ وصار البحر لي جسدًا !! وأسري فيه روحًا في مدى، لستُ سمكةً في البحر، الآن أنا البحر” .. “أنا وسطي لم يزلْ أزرقَ، مشمسًا واسعًا”
الضّوء الأزرق، ينقل لا وعيك بين الأماكن، والأماكن هنا ليست أراضيَ، إنّها عقول وقلوب، أذهان ومحتويات، شكرًا حسين.

لتفهم الضّوء الأزرق، أكثرَ وأعمق، عليك بالفراغ الّذي رأى التّفاصيل، الّذي يغوص ضمنيًا في شخصيّات الضّوء الأزرق، بداية الجنون ودواعيه .

بالحديث عن الجنون نصل إلى حجر الورد، هذا العمل البديع، البهيّ، الاستثنائيّ، الّذي يجعل القارئ ينبخع، ويمنحه القدرة على الدّهشة من عقل حسين، وبالتّالي، يمنحه الفلسفة! لأنّ “الميزة الوحيدة لكي يصبح المرء فيلسوفًا هي قدرته على الدّهشة”.

لم يصل حسين إلى كلّ ما ذكرناه من فراغ، حسين الّذي تغوص في عمق نظرته للأشياء في الصّراع النّفسيّ في الأدب “سقوط الجدار السّابع” حسين، الّذي جعلنا جميعًا حين نقرأ شعرًا أو نثرًا، قرآنًا أو حديثًا، قصّةَ حبّ، مسرحيّة , أيّاً كان نوع ما نقرؤه، لا نمرّ عنه دون أن نحلّل صاحبَها، من شكسبير، إلى دوستويفسكي، إلى التّصوّف، البوذيّ والطّاويّ والإسلاميّ، من البراهمانا، إلى النيرفانا، تحليل حسين للشخصيّات المختلفة، من عنترة، إلى النّبيّ محمّد، إلى روميو وجولييت، هاملِت، وكثيرين، يمرّ عبرهم حسين، يسبر أغوارهم بطريقة لم تسبق بمثيل، من هنا، سقوط الجدار السّابع هو البناء لجدار الوعي النّفسيّ.

في الآثار الشعريّة، يظهر لنا حسين الأزرق، المتألّم، المحتاج للبوح، الخائف من عدم الفهم، المتمرّد، المختلف، الطّفل، الشقيّ، الكبير.

حسين البرغوثي، الّذي كان يعني الأجمل والأجلّ من كلّ عاديّ ومكرّر ومملّ، قال بنفسه: “فش إشي كامل، لا الّي كتبته ولا الّي رح أكتبه” ومضى تاركًا وراءَه أثرًا أقربُ ما يكون إلى الكمال، بين اللّوز يا حسين، بين اللّوز يا حبيبي، خالي الحبيب، قدوتي الجميلة، مبدئي الأسمى، كاتبي المفضّل، أحبّك مثل مجنون وأفشل أن أبوح .

“قل لَهَا، مهما حصل، إن زرتِنِي سأكونُ بين اللّوز”