بقلم: علي عامرية 

قال تعالى: “وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسولهُ والمؤمنون” التّطوّع  بات من الأعمال الظاهرة البارزة اليوم في واقع الناس، وخاصة مع وجود الأزمات والمحن التي تصيب البشرية نتيجة الحروب أو الكوارث، وباتت الأمم والشعوب أفرادًا وجماعات يتسابقون إليه، وأقيمت من أجله المؤسسات والجمعيات، وهذا مما ينبغي أن يكون المسلمون أسبق إليه.

بدأتُ التّطوّع منذ صغري، بدأ في بيتي، أعمل فيه لكي يكون جميلاً ونظيفاً دائماً، فأبي وأمي وجدي غرسوا بداخلي شجرة التطوع  والتعاون والمساعدة، وعندما دخلتُ المدرسة هنا بدأت الحكاية، كانت وما زالت تلك الحكاية، في المدرسة بدأت أستنشق رائحة التّطوّع والتعاون، فمعلمي غرس بي مبادىء التطوع  والتعاون، إذ  شاركت في معظم النشاطات المدرسية من تنظيف المدرسة وزاعة حدائقها بالأزهار والأشجار والمشاركة في الحفلات والمناسبات وغيرها، كثيرُة كانت النشاطات!

لكن التّطوّع الذي كان في هذه المحطة  محدود، حيث اقتصر على الأعمال التطوعية التي تختص قريتي، مثل تلك التي تخص الأهلَ والأقارب والأصدقاء وأهل البل\ والمدرسة والمساجد. التّطوّع هنا كان  محصور، هل كانت نهاية التطوع هنا ؟!.. لا.

وبدأت معي حكاية أخرى جديدة وجميلة حقاً، حيث دخلتُ في عالم أخر فيه كل جديد، عالم واسع لا حدود له، دخلت جامعتي الحبيبة ( جامعة بيرزيت )، ومن هنا بدأ التطوع الحقيقي بكافة مجالاته وأنواعه، فبدأت أعمل مع نادي الفيزياء، تتطوعت معه في كثير من النشاطات على مدار عامين، نشاطات عديدة، منها الإفطار الجماعي وحفلات تكريم المتفوقين وحفلات استقبال ووداع الطلاب، وأيضاً في النشاط الكبير؛ اليوم المفتوح، والذي  يحتاج لكثير من التحدي والتضحية والعمل الشاق لما فيه من المنافسة بين كليات الجامعة، وأيضا ارشاد طلاب المدارس وغيرها من النشاطات الجميلة .

 

 

وهنا كان التّطوّع محدود  أيضاً، فكانت النشاطات مقتصرة  على كليتي وعلى الجامعة، والنشاطات الخارجية كانت قليلة أو نادرة نوعاً ما.

ومن ثم انتقلت إلى حكاية أخرى جديدة وأجمل، دخلتُ  عالم السماء، عالم المجرات والكواكب والنجوم والسُدم، إلتحقت بالنادي الفلكي للجامعة، وأنا الآن لجنة الأعضاء النادي، تطوعت في معظم نشاطاته على مدار عام ونصف، نشاطات عدة، من أمسيات فلكية ومخيمات فلكية ورصد ظواهر فلكية وارشاد طلاب المداس من خلال حضورهم إلى مرصد الجامعة، وعقد  محاضرات لأنشاء مجتمع خالي من الأمية الفلكية وغيرها من النشاطات الجميلة والرائعة.

ما يميز ذلك النادي، أنه نادي يعمل داخل وخارج الجامعة، نادي غير محدود أو محصور، وما يميزه أيضاً أنه نادي يشارك في نشاطاته من أطفال ونساء ورجال وكبار السن حتى الأجانب، أي أنه نادي منفتح على العالم الأخر .

لعلي  قد  ذكرتُ  مشاركتي في الأعمال التطوعية التي خضتها، لكن ما هو التطوع من خلال تجربتي؟ ، التطوع أخلاق، واحساس، وتضحية، التطوع يثير المشاعر الحزن والفرح، المودة والمحبة والإخلاص والتعاون،  التطوع يجعلك تفكر وتتفكر في الغير، لغز لا يفهمه إلا من نظم قوافي شعر التّطوّع .

 

 

كثيرٌة هي الأشياء التي  علمني إياها التّطوّع، فكل نشاط وعمل تطوعي التحقت به، كنتُ أخرج منه بشيء جديد، وخبرة جديدة ربما لم تخطر على بالي يوماً ما، ولعلي أذكرُ هذه الخبرات واحدة تلوو الأخرى، أولها بناء شخصية بكل مجالات الحياة، إذ يختفي الخوف كما كنا صغار، نواجه الكبير والصغير والغني، مواجهة أي شخص مهما بلغ منصبه وقدره، تربية النفس على الأخلاق والأدب، تتعرف على العادات والتقاليد بين البلدان والمدن والقرى، التي لا بد أن تكون مسببة لبعض المشاكل في بعض الأحياء، سببها عدم فهم الأخر لإختلاف العادات والتقاليد، ربما قد تكون مشاكل كبيرة في بعض الأحيان، تتعرف عليها وتحذر منها في المرة القادمة حتى لا تكررها ثانية، فهذه النشاطات لها دور في بناء الشخصية، ومنها أيضاً تطوير اللغة العربية والإنجليزية، فحين كنتُ ألتقِ  بشخٍص أجنبي يتكلم الأنجليزي، ربما لم أفهم عليه، الامر اللذي كان دافع لي كي أتعلم اللغة الأنجليزية بغية أفهم عليهم، وأستفيد من خبراتهم التي تكمن بداخلهم وتغطي عليها لغتهُم، وأيضاً لغتي العربية طورتها حين كنتُ ألتقي ببعض معلمي اللغة العربية ، وأيضاً اكتسبتُ الثقة بالنفس ، فحين كنت أستلم نشاط لوحدي وعليّ إنجازه في فترة محددة، ولا يوجد أحد يساعدني فهذا يجعنلي أؤمن بقدراتي وأعتمد على نفسي لكي أنجزه، وأيضاً تفكري تغير، إختلف تفكيري عما كنتُ أفكر وأنا صغير، الحياة فيها بعض من التعقيد تحتاج لتغير التفكير، وأيضاً التطوع كان الجانب الترفيهي لي، في كل نشاط مهما كان ذالك النشاط شاق وتعب .

هناك بصمة خاصة في مخيلتي عندما تتطوعت مع مؤسسة القطان، النشاطات التي كان يشارك فيها أطفال ، فالأطفال ملائكة يمشون على هذه الأرض، يمتلكون القدرات والمشاعر والأحساسيس والذكاء والرونق الجميل والجذاب، التقيت بعدة أصناف من الأطفال، أطفال بكامل الصحة والسلامة لديهم قدرات جميلة ، ربما لم تُهزني كثيراً ولكنهم الأذكياء ، أما الصنف الأخر هم الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة، فهوؤلاء الأطفال يمتلكون درجات من الأبداع والذكاء والتميز، الله سبحانه وتعالى حرمه ربما من بصره أو سمعه أو عدم قدرته على الحركة وغيرها، ولكن الله عوضه بشيء الأخر، فالله يأخذ شيء ويعطي شيء ، فلا يوجد إنسان يتصف بالكمال، فلا أحد يتصف بالكمال سوى الله، فهوؤلاء الأطفال لديهم قدرات عقلية رهيبة، تظن نفسك ذكي ولكن حين تلتقي مع هوؤلاء تصغر أمامهم، وأيضا هوؤلاء الأطفال لهم لغة خاصة في الكلام وغير ذالك، لغة الأشارات لغة معقدة يتفاهمون  فيما بينهم وأنتا ربما لا تفهم، فهذا يجعلني ويدفعني أن أشكر نعمة الله علي دائمًا، ربما أقول عن نفسي فقير ولكن أنا غني وأنا لا أدري ، الغني الغني بالصحة ليس الغني بالمال .

 

 

 فلنكن كلنا في خدمة كلنا ،والحياة قصيرة؛ اجعل لك بصمة على هذه الأرض تبتغي فيها وجه الله ، وتساعد الناس بكل  ود والإخلاص  وكما قال الرسول (ص) :” مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى ” ، فالتطوع للمسلمين وغير المسلمين ، لذلك الدنيا مسألة حسابية خذ من اليوم عبرة، ومن الأمس خبرة، واطرح منها التعب والشقاء  واجمع لهنّ الحب والوفاء، واترك الباقي لرب السماء، تكن أسعد السعداء .

 

هل انت ايضا تمتلك تجربة رائعة في مجال التطوع ؟ شاركنا حكايتك…