لعلّ من الجيّد؛ بل من الواجبِ علينا أن نتعرّف بلادَنا الجميلة، سهولَها وجبالها، وِديانها وأنهارَها، قراها والمدن.

للأديب مصطفى مراد الدبّاغ كتابٌ أسماه (بلادنا فلسطين) وهو موسوعةٌ ضخمةٌ حوتْ كلّ قريةٍ ومدينةٍ فلسطينيّة، بتاريخها وأسمائها وكثيرٍ من تفاصيلها، كتابٌ يقعُ في 11 مجلدًا.

كتبتُ هذا وأنا بصددِ الكتابةِ عن طالبٍ هنا في جامعتنا جامعةِ بيرزيت، يتخذّ من هوايته وسيلةً لمعرفةِ التّضاريس والأماكن والقرى في وطننا فلسطين.

محمّد عيسى، 22 عامًا، طالبُ علمِ الحاسوب، في سنته الخامسة، يقيمُ في بلدةِ بيرنبالا، بين عدّة تلال في أرضٍ أقربُ للجبليّة منها إلى السّهليّة، منذ صغره، وكما كلّ الأطفال بدأ ركوبَ الدّراجة الهوائيّة الّتي اشتراها، دراجةٌ عاديّة بمؤهّلاتٍ محدودة يُرضي بها شغفَه ونداءَ روحه، كانت هكذا البداية.

منذ سنين، بدأ محمّد هوايته بشكلٍ احترافيّ، وبالطّبع أصبحَ على علمٍ بنوعيّات الدّراجات أحجامِها ومقاساتِ عجلاتها ونوعيّة الموادّ المصنوعةِ منها، كلّ هذا ذا أثرٍ بطبيعة القيادة، وأداء الرّاكب، طبعًا خلال عامٍ واحد قام محمّد بشراء ثلاث درّاجات، وآخرها: درّاجة شارع Road bike نوع giant عجل 28، خفيفة مصنّعةٌ من الألمنيوم، والعجلات من الكربون، مخصّصةٌ للطّرق السّريعة.

اعتاد محمّد وبعضٌ من أصدقائه الخروجَ في مساراتٍ طويلةٍ يتسابقون فيها بين المدن بشكلٍ روتينيّ، ولقد حدّثني عن بعض مساراته الّتي قطعها، منها: مسارٌ بدأوه من رام الله ثمّ أريحا عبر الطّريق الرّئيس، وصولًا إلى وادي العوجا، والعودة إلى رام الله من طريق المعرّجات صعودًا، وهذا المسار كانت مسافته قريبةً من 122 كم.

في ثاني أيّام العيد، عيدِ الفطر المبارك، خرجوا من رام الله وصولًا إلى يافا بعدما مرّوا بالقدسِ الشّريف، عاصمتنا، بمسارٍ بلغتْ مساحته ما يقرُبُ من 102 كم، وعبّر عنه بأنّه أجملُ مسارٍ قطعه.

لدى محمّد مسارٌ يقطعه حينما يشعر بالملل، وهو من بيرنبالا، رام الله، بيرزيت، جفنا، عين سينيا، دورا القرع، مخيّم الجلزون، البيرة ثمّ رام الله والعودة إلى بيرنبالا.

هذه الرّياضة فيها من الخطورة ما فيها، وقد تعرّض لبعضٍ من المخاطر الّتي لولا لطفُ الله لكان غيرَ ما كان، منها، أنّه نزلَ طريقَ المعرّجات بشكلٍ مسرعٍ جدًا فاصطدم بالحواجز الحديديّة الجانبيّة، الّتي منعتْه من السّقوط أسفلَ الواد.

وفي تعرّضه لخطرٍ آخر قال: كنتُ أقود في شارع رقم 1 باتجاه يافا، وهو شارع أوتستراد سريع، فتجاوزتُ عن سيارةٍ واقفةٍ على جانب الطّريق، فمرّت سيارةٌ أخرى مسرعةٌ من جانبي وكادت أن تصدمني لولا تقادير الله وألطافه.

أمّا طموحه، فيأمل أن يصبحَ ركوب الدّراجات ثقافةً سائدة؛ لما فيها من اعتناء بالجسمِ والرّياضة، ولتوفيرها الوقت والمال، إضافةً لصداقتها للبيئة.

كما ويطمح أن تتطوّر هذه الرّياضة، وأن توجد جهة رسميّة تدعمها وتوفّر حاجيّاتها، وتنظّم المسابقات وتضغط على الحكومة لتحسين حالة الطّرق، والاعتناء بأهلِ هذه الرّياضة، وأن يشاركَ الدّراجون الفلسطينيون في السّباقات العالميّة رسميًا، وتوفير محالّ لتصليح هذه النّوعيّات من الدّراجات فهي باهظة الثّمن ولا تأتي إلّا من الدّاخل المحتلّ.

طبعًا، أهمّ ما يضعُه محمّد في ذهنه حين ممارسة هذه الرّياضة هو الاستكشاف والتّعرّف لهذا الوطن الحبيب، فعلى أهلِ فلسطين أن يكونوا أدرى بشعابها كما أهلُ مكّة أدرى بشعابهم.