كتبتْها: رنين كيلاني

قد تبدو اللحظة التي ترتدي فيها ثوب التخرّج لحظةً ذهبيّة في حياتك، سترى السعادة تملأ قلوب أهلك وأصدقائك؛ لكن احذر من فخّ هذا اليوم، و لا تجعل مظاهره المليئة بالابتهاج تخدعك، ولا تسمح لنفسك الأمّارة بالسوء أن تأخذ جانبًا مشرقًا تترك فيه ضجيج الحفل لثوانٍ؛ لتتيح لك فرصة تخيّل نفسِك وأنت خلف مكتبٍ لائقٍ بدراستك وتخصّصك؛ لأنّك سرعان ما ستُصدَم بالواقع، وسيقطع شرودَك وأحلامَك الورديّة صوتُ أحد الأصدقاء وهو يطلب منك أخذَ صورة “سيلفي”. يؤسفني القول بأنّها ستكون آخر صورة لكم تظهرون فيها بكامل السعادة و”الانشكاح”.

المرحلة الأولى: التهاني

 تأتي هذه المرحلة بعد التخرّج فورًا، تبدأ فعليًا من اليوم الذي يلي يوم الحفل، ستنهال عليك رسائل ومكالمات التهنئة من الأصدقاء والأقارب، ومنهم من سيأتي خصيصًا ليشاركك فرحك -المؤقّت- وأعظم المهنّئين بالنسبة لك: مَن سيقوم بمدّ ظرفٍ أبيضَ يحتوي -عادةً- على مائة شيقل، مع عبارة “منها للأعلى” المكتوبة في أسفل الظرف.
ستشعر بأنّك “ملك” وأنّك تمرّ بأفضل مراحل حياتك، وسيساعدك على ذلك، حصولك على 200 إعجاب لصورتك في قبعة التخرّج، ولم يحدث ذلك من قبل لأيّ صورة قمت بنشرها على موقع “فيسبوك”.

 

 

المرحلة الثانية: الفراغ فن

مرحلة الراحة، تأتي هذه المرحلة بعد شهر من التخرّج تقريبًا، وتمتد عادةً إلى ثلاثة أشهرٍ أخرى، تقرّر فيها بينك وبين نفسك أنّك تريد أخذ قسطٍ من الراحة والشعور بالفراغ، ألّا تقومَ بأيّ شيء مفيدٍ سوى الاستمتاع بمشاهدة الأفلام والمسلسلات التركية، والخروج إلى المطاعم، والتسوّق والتجوّل في الشوارع، وزيارة الجامعة؛ لمناكفة الأصدقاء الذين لم يتخرّجوا بعد، في هذه المرحلة يبدأ الخرّيج بالاعتياد على الكسل، والنوم في ساعات الصباح الباكرة، والاستيقاظ بعد العصر.

 

 

المرحلة الثالثة: البحث عن وظيفة

تنتهي مرحلة الفراغ والكسل بعد انتهاء المبلغ الذي حصل عليه الخرّيج بفعل “النقوطات” وبعد تذمّر الأهل والأقارب وتكرار جميع من حوله سؤال: “قدمت على وظيفة؟” يستفيق الخرّيج من غيبوبة الراحة؛ ليعي أنّه قد حان الوقت ليبدأ بالبحث عن العمل بجديّة، وهنا تبدأ “التراجيديا” الحقيقيّة في حياة الخرّيج.

المرحلة الرابعة: بنرجعلك

يتأثّر الخرّيج على ما يبدو خلال فترة الراحة بالمسلسلات والأفلام، فيخيّل إليه أنّ سوق العمل الفلسطينيّ كغيره، ينتظر أبطاله الخرّيجين من كلّ الجامعات بلهفةٍ كبيرة؛ لكنّه سيشهد نكبة أخرى غيرَ التي عاشها أجداده، نكبة “المرمطة” بدايةً في محاولاته الكثيرة لكتابة سيرة ذاتية تقنع المؤسسات بأنّه الشخص المناسب للعمل؛ لكنه يكتشف فجأة أن كل ما تعلمه في حياته الجامعيّة لا علاقةَ له بسوق العمل، فيقرّر أن يقوم بالتدرّب لأسابيع قليلة في بضع مؤسسات ليحصل على الخبرة اللازمة، فيجد نفسه -دون أن يشعر- ينتهي من تدريبٍ ليذهب إلى آخر.

في هذه المرحلة يكون أمل الخرّيج معلقًا بإعلانات الوظائف الشاغرة في الصحف والمواقع الإلكترونية، فيقوم بإرسال سيرته الذاتية لكلّ المؤسّسات حتى لو كانت في غير تخصّصه، وأوّل ما يقوم به خلال يومه تفقّد بريده الخاص، ودون أن يتفاجأ، يتلقّى بسكون ردّ معظم المؤسّسات الذي يكون عادةً كلمة واحدة، باردة وجارحة ألا وهي “بنرجعلك”.

يبقى الخرّيج متمسكًا بهذه الكلمة، يقاتل بها لآخر رمق، يقنع نفسه بأنّها أفضل من عدم الرد، حتى يفقد الأمل نهائيًا فتتجلى حقيقةٌ واحدةٌ أمامَه، وهي: أنّ حفل التخرّج هو مراسم نقل الخرّيج من الحياة الجامعيّة إلى نادي العاطلين عن العمل.

إن كنت واحدًا من الخرّيجين المنضمّين لنادي البطالة، هل حصل ومررت بهذه المراحل؟