“إنّما العربيّة اللسان” أيّ: إنّ ميزان عربيّتك، هو إتقانُك للغتِك، ومعرفةِ دقائقها، وكلّما تعمّقت، كلّما تعمّقت في إثباتِ هويّتك العربيّة، التي لولاها لكنّا نكرةً بين الأمم، والأدبُ العربيّ جزءٌ رئيسٌ من هذه الهويّة.

في كلّ لغةٍ هناكَ اغترابٌ عنها من أهلها، في العربيّة هناك اغترابٌ عن شعرِها الجاهليّ مثلًا وعن نثرِها القديمِ أيضًا، في الإنجليزيّة مثلًا هناك اغترابٌ عن شكسبير، باعتبار هذهِ الآدابَ القديمةَ عفا عليها الزّمن، ولا تصلُح لأن يُلتَفَتَ إليها؛ لصعوبتها وبعدها عن العصريّة؛ لكنّ هؤلاء يغفلون عن تناقضهم البيّن في هذا الكلام، فالأدبُ في كلّ لغة لا يندرجُ تحت وظيفيّة اللّغة، أيّ: فقط لمجرّد الفهمِ والإفهام؛ بل هو في الدّرجة الأولى قدرةٌ على استخراجِ مكامن الجمالِ في التّعبيرِ عن أيّ قضيةٍ خطرَت على فكرِ الأديب، خاصّة الشّعر، وهو من الشّعور، أيّ ما اختلَج في النّفس.

فهؤلاء حينما يرفضون هذا الأدبِ باعتباره لا يلبّي حاجةَ التّواصل العصريّة، فبكلّ أسفٍ، عليهم ألّا يقتربوا من حمى الأدب؛ لا لشيءٍ سوى جهلهم بحقيقته وطبيعته، ولستُ أرى اعتبارَ الشّعرِ في جوهرِه محرّكٌ للجماهير أو بثّ الطّاقةِ في المستمعين، فهذه وظيفةٌ هامشيّة بالنّسبةِ لي، وإن حدثتْ تاريخيًا وارتفع نجمها في وقتنا؛ بوجودِ الاستعمارِ في غالبيّة الدول العربيّة القرنَ الماضي؛ فكم يُتلَى الشّعرُ في حالِ الوحدة، بعيدًا عن صخبِ الحياة؛ لأنّك تتمثّل شعورَ الشّاعر وقتَ نطقِه بهذا الجمال.

القرنَ الماضي، ظهرَ شعراءٌ وُسِموا بـ(شعراء مدرسة الإحياء) أمثالَ الباروديّ –وإن كان أبكرَ منهم قليلًا- وشوقي والجواهريّ، منذ سنين قلتُ: هؤلاء لن يخرجَ مثلُهم، فمَن سيجاريهم؟ فمَن هذا الذي سيقول كما قال شوقي في منفاه بأرض الأندلس:

يـا نائحَ الطّلح أشباهٌ عوادينا  ::  نشجـى لواديك أم نأسى لوادينا

مــاذا تقصّ علينا غيرَ أنّ يدًا  ::  قصّتْ جناحَك جالتْ في حواشينا

وكنتُ أقول: مَن هذا الذي سيجاري الجواهريّ في قوله عن دمشق:

كنتِ الطريقَ إلى هـــاوٍ تُنـــازعُه  ::  نفــــسٌ تسُدّ عليه دونَها الطّرقـــــا

وسِرتُ قصْدكِ لا كالمشتهي بلدًا  ::  لكن كمَن يتشهّى وجهَ مَن عشقا

إنّـــا لنخنقُ في الأضلاع غربتَنــــا  ::  وإن تنزّت على أرواحنـــــا حرَقـــــا

معذّبـــون وجنّـــات النعيمِ بنــــــا   ::  وعاطشون ونمري الجونةَ الغدقـــا

ومثلُ ذلكَ كثير، فما كنتُ أصدّق أنّي سأحيا لأجدَ شاعرًا شابًا معاصرًا يطرقُ بابَ الشّعر القديم فيُثبِتُ شاعريّةً وفحولةً لم نعتد عليها، هذا الشّاعر هو الكويتيّ بدر الدّريّع، ولقد قرّرتُ أن أنتقيَ بعضًا من أبياتِه، أخذتْ عليّ عقلي وخلبتْ اتزاني، يقول في مدحِ آل البيت:

أذّن بمَن في السّرى  عن أنس حادينا  ::  بنـــــــار دارٍ علـــــتْ  للهاشميّنـــا

العـــــاقريـــن النّــدى دَينـــًا لضيفهـــمُ  ::  والطّاعنين الرّدى عن جارهم دِينـــا

واللّابسيــــن نفوســــًا منذ أن نُفِخــتْ  ::  ضِيقــًا تنازعهم أن يخلعوا الطّينــا

ومَـــــن إذا نُدبــــوا كــــانت جماجمُهم  ::  لله فيمـــا ارتضــى منهم  قرابينــا

الشّاعر الكويتيّ بدر الدّريّع

ويقولُ في حالةِ التنازع بين قلبه وعقله:

فــــؤادك أوْلـــى بالعتـــابِ معاتبُـــه  ::  تجــاسُــرُك المضنيك ليستْ رغائبُه

ولولاك رأسُ العقلِ في أعين الورى  ::  لمـــا نافرتْك الغِيـــدُ عمّـــا تجاذبُــه

بعقلي فديتُ الطيشَ باللهو والصّبـا  ::  وهيهاتَ يُفدَى، جفّف الضّرعَ حـالبُه

فيـــا ويـــحَ صبٍّ إن تهتّك بالهـــوى  ::  تزيّـــــا بعين العُرفِ مـــا لا ينــاسبُه

فلا هـــو يقوى أن يصرّح إن شكـــا  ::  ولا هي تُدرى حيـنَ كنّى مطــالبُه

كمَـــن بـــات بالحمّى خلافًا لما به  ::  يُرَى يَشتكي بــردًا وما انفكّ لاهبُه

وهذا الشّاعرُ في مجال الحكمة فريدٌ في عصرِه، يذكّرني بطرفة بن العبد، الحكيمُ الشابُّ القتيل، يقول بدر الدّريّع:

وما احتجاجُ الورى بالعقلِ نافعهم  ::  مـــا دام منهم فؤادٌ بالهوى فُئــدا

لا يعصمُ العقلَ تقديــسُ العقول له  ::  حقــائقُ اليومِ تنفيها العلـومُ غـدا

وإنّ رزأ الـــذي يـدري جهــالتَــه    ::  يهون عمّن يخال الجهلَ فيه هدى

وشعرُه كثير، وقصائدُه طويلةٌ منها ما يزيد عن المئة بيتٍ أو يقلّ، وهو شاعرٌ أعطاه الله من الملكةِ والطّبع ما يبهرُك ويجبرُك على سماعِه، ولا أغفُل تأثّرَه في إلقاء قصائده، وتفاعله معها، وهذا دليلُ شاعريّة والله.

فأقول: لا يخلو أن تجدَ مَن يناصبُ العداءَ للّغة التراثيّة القديمة، أراه يهاجمُ علمَ النّحو أو الصّرفِ ويرمي الشّعرَ الجاهليّ وما يتلوه بأبشعِ المسمّيات، ولا أريد أن أناقشَ قدرتَه على فهمِ هذه العلوم، أليسَ من واجبه أن يحترمَ العلمَ  نحوَه وصرفَه وأدبَه بأن يعاملَه كغيره من العلوم، بغضّ النظرَ أوافقَه أم لم يوافقه. فقط، فليعاملْ هذا العلمَ كما يعاملُ غيرَه، وليعلمَ أنّ الهويّة المتبقيةَ لنا الآن: العربيّة التي أعلى الإسلام من شأنها، وجعلَها لغةً عالميّة.

وختامًا، فالأدبُ موجود لا يحفَظ التاريخُ منه إلّا كلّ عالٍ بليغٍ قويّ، والأدبُ لا يُنال إلّا بالمداومةِ عليه وطولِ المكثِ على بدائعه، فمَن قصّر عن هذه، فلا يحقّ له أن يتحدّثَ بذلك، فإن فعلَ فلن يكون موضوعيًا البتّة، ولن يُأبَه لكلامه.

أمّا بدر الدّريّع، فقد أثبتَ أنّ الأدبَ حيٌ في قلوبنا، ليس داخلَ كتبٍ صمّاء فقط، فحياة الأدبِ هي أن يحيا داخلَ قلوبِ أهله، ولقد فعلَها بدر، وحين تسمعُه، تجدُ نفسَك واقفًا عند المتنبّي وأبي فراس الحمدانيّ، أحيانًا ببابِ عمرو بن كلثوم، وتارةً عند الكميتِ في هاشميّاته، فلله درّه على أدبِه وعلوّ شعره!!